حين أكل المصريون لحوم البشر.. ماذا حدث حين جفَّ النيل قبل ألف عام؟
تُواجِه مصر منذ عقد تقريبا أشباح كارثة مُحتمَلة قد تتسبَّب في خسائر فادحة على مستوى العمران والزراعة بل والبشر في مصر، تَتمثَّل في سد النهضة الإثيوبي وأثره المُحتمَل على حصة مصر من مياه النيل. وللمفارقة، فإن الخ.طر المائي الذي يُواجِه مصر اليوم يُذكِّرنا بكوارث تاريخية كابدتها الأمة المصرية العريقة حين جفَّ النيل وتوقَّف عن الجريان في مناسبات عدة، لعل أشهرها تلك التي وقعت في زمن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله الذي عُرفت سنوات محنته بـ "الشدة المستنصرية"، ولا يزال العقل الجمعي في مصر يستحضر وقائعها رغم مرور ألف سنة على حدوثها بسبب بشاعتها وقسوتها.


يُؤكِّد لنا التاريخ أنه لا يمكن تصوُّر أن يحيا بلد مثل مصر دون النيل، وقد ورد أنه لما فتح عمرو بن العاص مصر "عرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يلقى أهلها من الغلاء عند وقوف النيل عن حدِّه في مقياسٍ لهم فضلا عن تقاصره، وإن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، وأن الاحتكار يدعو إلى تصاعد الأسعار بغير قحط"، فكتب عمر إلى عمرو يسأله عن شرح الحال، فأجابه: "إني وجدتُ ما تُروى به مصر حتى لا يُقحط أهلها أربعة عشر ذراعا، والحدّ الذي يُروى منه سائرها حتى يفضلَ عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعا، والنهايتان المخوّفتان في الزيادة والنقصان هما اثنا عشر ذراعا في النقصان وثمانية عشر ذراعا في الزيادة".
واستمر الوضع على ذلك في مصر مع النيل، أربعة عشر ذراعا الحد الأدنى الذي إن نقص كانت المجاعة وغلاء الأسعار، وثمانية عشر ذراعا في الحد الأقصى إن زاد أغرق مصر وأنتج أيضا المجاعة وغلاء الأسعار لغرق المحاصيل، من أجل ذلك ارتبطت الحياة في مصر بالنيل، فلا حياة دون نيل.
والأمثلة على ذلك من التاريخ أكثر من أن تُحصى، لعل أشهرها تلك الحادثة الشنيعة التي وقعت سنة 597هـ/1201م وذكرها المقريزي وابن تغري بردي والبغدادي في تواريخهم، حين انخفض النيل عن الجريان لثلاث سنوات كاملة، وعمَّ مصر القحط والغلاء الشديد إلى درجة اضطرت أهل مصر لفعل أشياء ما كان يمكن أن يُصدِّقها العقل البشري، لولا تواترها في التواريخ بتفاصيل دقيقة من مؤرخين على درجة كبيرة من الموضوعية لا سيما المقريزي وابن تغري بردي.

ومن المهم هنا أن نأتي بنص المقريزي كاملا لنرى أثر النيل في حياة المصريين، وكيف كان دائما سبب سعادتهم ورغدهم واطمئنانهم والمُكوِّن الأساسي لشخصية الإنسان المصري عبر التاريخ، إلى درجة أن أخلاق المصريين كانت تتبدَّل مع انخفاض مستوى النيل وشح المياه.