حين أكل المصريون لحوم البشر.. ماذا حدث حين جفَّ النيل قبل ألف عام؟

موقع أيام نيوز

 

يقول المقريزي عن تلك المأساة: "فيها تعذَّرت الأقوات بديار مصر، وتزايدت الأسعار، وعظم الغلاء حتى أكل الناس الميتات وأكل بَعضهم بعضا، وَتبع ذلك فناء عظيم، وابتدأ الغلاء من أول العام وتمَادى الحال ثلاث سنين مُتوالية لا يمد النيل فيها إلا مدا يسيرا، حتى عدمت الأقوات وخرج من مصر عالم كبير بأهليهم وأولادهم إلى الشام فماتوا في الطرقات جوعا".

ويُضيف: "شنع المoت في الأغنياء والفقراء، فبلغ من كفنه السلطان العادل (الأيوبي) من الْأموات -في مدة يسيرة- نحوا من مئتي ألف إنسان وعشرين ألف إنسان، وأُكلت الكـ،ـلاب بأسرها، وأُكل من الأطفال خلق كثير، فكانَ الصغير يشويه أبوَاهُ ويأكلانه بعد موته، وصار هذا الفعل من الكثرة بحيث لا يُنكر، ثمَّ صار الناس يحتال بعضهم على بعض ويُؤخَذ مَن قُدر عليه فيؤكل، وإذا غلب القوي ضعيفا ذب.حه وأكله، وفُقد كثير من الأطباء لكثرة مَن كان يستدعيهم من المرضى، فإذا صار الطبيب إلى داره ذبحه وأكله".

ويسوق المقريزي قصة مفجعة لطبيب تمكَّن من النجاة بأعجوبة في تلك الكارثة بقوله: "واتفق أن شخصا استدعى طبيبا، فخافه الطبيب وسار معه على تخوُّف، فصار ذلك الشخص يُكثر في طريقه من ذكر الله تعالى، ولا يكاد يمر بفقير إلا ويتصدق عليه، حتى وصلا إلى الدار فإذا هي خربة. فارتاب الطبيب مما رأى، وبينا هوَ يُريد الدُّخُول إليها إذ خرج رجل من الخربة وقال للشخص الذي قد أحضر الطبيب: مع هذا البطء جئتَ لنا بصيد واحدة. فارتاع الطبيب وفرَّ على وجهه هاربا. فلولا عناية الله به وسرعة عدْوِه لقُبض عليه".

كان لهذا البلاء العظيم أثره على التعداد السكاني للمصريين، حيث قلَّ بصورة كبيرة للغاية، فضلا

 عن تأثيره الاقتصادي على حياة مَن تبقَّى من الناس، فقد "كان الناس قد فنوا بحيث بقي من أهل

 القرية الذين كانوا خمسمئة نفر إما نفران أو ثلاثة، فلم تجد الجسور مَن يقوم بها ولا القرى مَن يرعى مصالحها، وعدمت الأبقار وجافت الطرقات بمصر والقاهرة وقُراهما، ثمَّ أكلت الدودة ما زُرع، فلم يوجد من التقاوى، ودخلت سنة سبع وتسعين وخمسمئة والناس تأكُل الأطفال، وقد صار أكلهم طبعا وعادة، وضجر الحُكَّام من تأديبهم، وأُبيع القمح -إن وجد- بثمانية دنانير ذهبية الأردب، والشعير والفول بستة دنانير ذهبية، وعدم الدجاج من أرض مصر، فجلبه رجل من الشام، وباع كل فروج بمئة درهم، وكل بيضتين بدرهم. هذا وجميع الأفران تُقد بأخشاب المساكن، حتى دخلت سنة ثمان وتسعين، وكان كثير من المساتير يخرجون ليلا ويأخذون أخشاب الدّور الخالية ويبيعونها نهارا، وكانت أزقة القاهرة ومصر لا يوجد بها إلا مساكن قليلة، ولم يبقَ بمصر عامر إلا شط النيل، وكانت أهل القرى تخرج للحرث فيموت الرجل وهو ماسك المحراث".

هذه بعض من المشاهد المروّعة التي ساقها مؤرخ ثقة كالعلامة تقي الدين المقريزي تُبيِّن مقدار الكارثة التي حلَّت بمصر في نهاية القرن السادس الهجري جراء توقُّف النيل عن الجريان لثلاث سنوات متوالية، وهي حقيقة تاريخية تؤكد انعدام الحياة في مصر بمجرد انخفاض النيل عن جريانه الطبيعي.

عبد الناصر- سيلاسي

جمال عبد الناصر (يمين) وهيلا سيلاسي (يسار)

تم نسخ الرابط