حين أكل المصريون لحوم البشر.. ماذا حدث حين جفَّ النيل قبل ألف عام؟
في عام 1941م أُعلن استقلال الحبشة، واستعادت إثيوبيا السيادة الكاملة بعد توقيع الاتفاق الأنجلو إثيوبي في ديسمبر/كانون الأول 1944، وارتقى الإمبراطور هيلا سيلاسي الحُكم (1941-1974م). كانت العلاقات الإثيوبية المصرية على درجة من القوة والمتانة في عصر عبد الناصر- سيلاسي، ولعل هذه المتانة تعود إلى ارتباط الكنيسة الحبشية حتى عام 1959 بالكنيسة المصرية قبل أن ينفصلا، لكن الصدام بين البلدين كان قد بدأ في وقت مبكر من الخمسينيات حين علم المصريون أن إثيوبيا ستشرع في بناء سد "تيس أباي"، فأرسل عبد الناصر وزير خارجيته محمود فوزي إلى إثيوبيا مُحذِّرا إياها من المساس بحصة مصر من مياه النيل، الأمر الذي رضخت له إثيوبيا لضعف قوتها، ولقوة العلاقات مع مصر حينذاك.
لكن هذه العلاقات بدأت في التغيُّر في عهد الرئيس أنور السادات حين انضمت مصر إلى تحالف نادي السفاري المناهض للشيوعية سنة 1975، الذي اعتبره منجستو مريام، الزعيم الجديد المنقلب على سيلاسي آنذاك، مؤامرة مصرية ضد إثيوبيا، وحين رأى السادات بعض المحاولات الإثيوبية المضادة لبناء عدد من السدود، خرج بتصريحه الشهير: "إننا لن ننتظر حتى نموت من العطش، بل سنذهب لنموت هناك في إثيوبيا". ومن ذلك الحين توترت العلاقات المصرية الإثيوبية، حتى وصلت إلى قطيعة شبه تامة في أعقاب محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995.

كانت الحاولة الأولى والحقيقية لإنشاء خزان يحول دون تدفُّق مياه النيل إلى مصر والسودان قد بدأت مع العقود الأولى من القرن العشرين، فقد شغل مشروع بناء خزان بحيرة تسانا الحكومة المصرية والرأي العام المصري سنة 1933، عندما عُقد مؤتمر في أديس أبابا ضمَّ مصر وإثيوبيا والسودان والشركة الهندسية الأميركية التي أُسند إليها بناء مشروع الخزان. وكانت بريطانيا هي القوة الرئيسية الداعمة لهذا المشروع لأهداف سياسية بحتة، تتمحور حول الحفاظ على نفوذها ومصالحها في إثيوبيا وحماية منابع النيل الإثيوبية من أطماع الدول المنافسة لها.