تعرف على اسم الله الاعظم "إهيه أشر إهيه" في التراث الإسلامي
سنقتفي في هذا البحث

أثر المصطلح التّوراتي الآخر الّذي ذكره "يهوه" لموسى في سفر الخروج اسمًا له، وسنرى كيف ظهر هذا المصطلح لفظًا ومعنًى في التّراث الإسلامي. وهذا المصطلح الّذي نعنيه هو المصطلح المركّب "إهْيِهْ أَشِرْ إهْيِهْ" (= أكون الّذي أكون)، وهو مشتقّ أيضًا من ذات الجذر العبري الّذي يدلّ على معنى الكون، كما ويُعتبر مرادفًا للاسم الأعظم للّه في العقيدة اليهوديّة.
ولكن، ۏقپل أن ندخل في هذه القراءة للمراجع التراثيّة، دعونا ننظر أوّلاً في هذه القضيّة التي تعرضها إحدى النّساء المسلمات على أهل الإفتاء طالبة منهم إفادتها. تسرد هذه المرأة القصّة، وهي على ما يبدو قصّتها هي نفسها غير أنّها تحيلها إلى قريبة لها، فتذكر في رسالتها أنّ لها قريبة وأنّ لقريبتها بنتين لم تتزوّجا. ثمّ تضيف أنّ قريبتها تعتقد أن سبب عدم زواج البنتين هو السّحر، ولذلك قامت باستدعاء أحد الشّيوخ الّذي رقى البنتين الرّقية الشّرعيّة. ثمّ تذكر المرأة في سردها للقصّة أنّ ذلك الشّيخ قد أضاف ورقة غريبة لتعليقها في ثياب هاتين البنتين، فتقول حرفيًّا: "ثم أعطاهُما ورقةً تُعَلّق في الثياب وتكون ملازمةً لهنّ، بها بعض الآيات القرآنيه، وبها اسمٌ غريب (شراهيا براهيا)، ويقول: إن هذا الاسم من أسماء الله بالعبرية."، ثمّ تسأل المرأة عن حكم تلك الورقة وعن السّحر.
لقد جاءت الفتوى بهذه المسألة، لتُذكّر المرأة بأنّ تأخير الزواج قد يكون من السّحر وقد يكون من غيره، إذ أنّ اللّه يقدّم ويؤخّر ما يشاء، ثمّ تُضيف الفتوى: "ولكنّا نُنبّه على أنّ الرقية يُشترط فيها أن لا يكون فيها ما لا يُفهم معناه. ومن العجب أن يعدل الرّاقي عن الرقية باسم الله الأعظم الثابت في نصوص الوحي إلى كلمات لا يعرفُ لها أصلاً. وحتّى لو ثبتَ أنّه من أسماء الله في اللغة العبرية، فهل ثبتَ في نَصٍّ من نصوص الكتب السماوية، أو عن نبيّ من الأنبياء؟ فأسماء الله توقيفية لا تُؤخذ إلاّ عن طريق الوَحْي." (رقم الفتوى: 61030، فتاوى الشبكات الإسلاميّة، بإشراف د. عبد الله الفقيه: ج 156، 245-246).
وبعد قراءة المسألة والفتوى
التي صدرت بشأنها، لا يسعني إلاّ القول إنّه، وعلى ما يبدو، فإنّ ذلك الشّيخ الرّاقي يعرف أمورًا في المأثورات الإسلاميّة لا يعرفها هؤلاء من أهل الإفتاء. فإذا كان عدم معرفة اللّغة العبريّة أمرًا مفهومًا بعض الشيء بطبيعة الحال - مع أنّي أؤكّد على أنّه لا يمكن فهم الإسلام على حقيقته دون التّمكُّن من لغة التوراة العبريّة - فإنّ ما لا أستطيع أن أفهمه هو تساؤلهم عن الوحي بشأن اسم الله الأعظم. إذ أنّ هذا التّساؤل يُبرز على الملأ جهل هؤلاء المُفتين، ليس بالعبريّة، بل يبرز جهلاً باللّغة العربيّة وبالرّوايات الإسلاميّة بهذا الخصوص. يبدو أنّ هؤلاء لم يقرؤوا الرّوايات الإسلاميّة بأنّ هذا الوحي بالاسم الأعظم هو من اللّه لموسى في قصّة بعثة إلى فرعون. فإذا كانوا لم يقرؤوا ذلك، فلنقرأ إذن معًا هذه الرّواية: "وقال ابن أبي حاتم...عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لمّا بعث الله عز وجل موسى إلى فرعون، قال: ربِّ، أيّ شيء أقول؟ قال قل: "هيا شراهيا". قال الأعمش، تفسير ذلك: الحيّ قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء." (تفسير ابن كثير: ج 5، 296؛ أنظر أيضًا: مصنف ابن أبي شيبة: ج 7، 119؛ جزء أبي الطاهر للدارقطني: 51؛ الدر المنثور للسيوطي: ج 5، 580؛ المطالب العالية لابن حجر: ج 10، 109). وفي رواية أخرى: "وأنّ بني إسرائيل سألوا موسى الكليم عن الاسم الأعظم، فأوحى اللّه إليه أنْ مُرْهُم أنْ يدعوني بآهيا شراهيا، ومعناه: الحي القيّوم." (فتح القدير للشوكاني: ج 1، 510؛ أنظر أيضًا: فيض القدير للمناوي: ج 1، 510)، وبرواية أخرى: "فقال لهم: أيا هيا شرا هيا، يعنى: يا حي يا قيّوم." (تفسير القرطبي: ج 3، 271؛ أنظر أيضًا: بحر العلوم للسمرقندي: ج 1، 238؛ تفسير اللباب لابن عادل: ج 3، 243).