تعرف على اسم الله الاعظم "إهيه أشر إهيه" في التراث الإسلامي
وهكذا نرى أنّ الاسم "شراهيا براهيا" الّذي خطّه الشّيخ الرّاقي في الورقة للبنتين اللّتين لم تتزوّجا، بالإضافة إلى كلّ تلك التعابير الأخرى التي وردت في الروايات الإسلاميّة المُقتبسة آنفًا، مثل: "هيا شراهيا"، أو "آهيا شراهيا"، أو "أيا هيا شرا هيا"، أو أيّ تنويعات وتحريفات أخرى مثلها، فإنّها جميعًا عبارة عن تصحيف وتحريف للاسم الأعظم باللغة العبريّة الّذي ورد ذكره في التّوراة، وهو: "إهيه أشر إهيه". كما أنّ الرّوايات الإسلاميّة السّالفة بشأن وحي الله لموسى، فهي الأخرى تُحيل إلى النصّ التّوراتي ذاته الّذي ورد في سفر الخروج، وهو: "فَقَالَ اللّهُ لِمُوسَى: (إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ)، وَقَالَ: كَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرائيلَ: (إهْيِهْ) أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. وَقَالَ بَعْدُ اللّهُ لِمُوسَى: كَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: (يهوه) إلهُ آبَائِكُمْ إلهُ إبْرَاهِيمَ إلَهُ إسْحَاقَ وَإلهُ يَعْقُوبَ، أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. هذا اسْمِي إلَى الأَبَدِ، وَهذا ذِكْرِي إلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ." (سفر الخروج، فصل 3، 14-15).
منذ القدم، وبخلاف الفتوى السّالفة،
يعترف أهل التّفسير بأنّ "إهيه أشر إهيه"، بجميع تصحيفاته وتحريفاته العربيّة، هو الاسم الأعظم للّه، كما يربطونه أيضًا بالمصطلح القرآني "الحيّ القيّوم". غير أنّه وبسبب غرابة هذا اللّفط للاسم العبري المركّب، فقد ظهرت خلافات حول مصدر هذا المصطلح. فقد ذهب بعضهم، في سياق تفسير الآية: "وظنّوا أنّهم أحيط بهم دعوا اللّه مخلصين له الدّين" (سورة يونس: 22)، إلى القول إنّ هذا المصطلح جاء من لغة العجم: "... وقال بعض المفسرين: إنّهم قالوا في دعائهم (أهيا شراهيا)، أي يا حيّ يا قيّوم. وهي لغة العجم." (تفسير القرطبي: ج 8، 325؛ أنظر أيضًا: المحرر الوجيز للمحاربي: ج 3، 348). وهنالك من قال إنّ هذا المصطلح هو من لغة المشركين بعامّة: "وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضرّ والألم لم يدعوا إلا اللّه. وعن أبي عبيدة: أنّ المراد من ذلك الدعاء، قولهم: (أهيا شراهيا)، تفسيره: يا حيّ يا قيّوم." (تفسير النيسابوري: ج 4، 245؛ أنظر أيضًا: تفسير الطبري، ج 15، 51؛ أنظر أيضًا: تفسير الصنعاني: ج 2، 293؛ تفسير القرطبي: ج 8، 325؛ الكشف والبيان للثعلبي: ج 7، 20؛ تفسير الرازي: ج 8، 260؛ المحرر الوجيز للمحاربي: ج 3، 348). بينما يذهب الفيروزابادي وغيره بعيدًا فيقولون إنّ هذا المصطلح هو باليونانيّة: "و(إهيا) بکسړ الهمزة و(أَشَراهيا) بفتح الهمزة والشين، يونانية." (القاموس المحيط للفيروزآبادي: ج 1، 1610؛ أنظر أيضًا: كتاب الكليات لأبي البقاء الكفومي: 360).
غير أنّ هنالك من أشار بالطّبع إلى الأصل العبراني للمصطلح. فها هو حقّي ينقل عن الكاشفي تفسيرًا بالفارسيّة: "يا حيّ يا قيّوم، كه بعبري آهيا شراهيا باشد." (تفسير حقي: ج 10، 53)، ولو ترجمنا للقارئ هذه الجملة الفارسية للغة العربيّة فهي تقول ما معناه: يا حيّ يا قيُّوم، والّذي هو باللغة العبرية آهيا شراهيا. كما أنّ الفراهيدي يؤكّد في كتابه أيضًا على كون المصطلح من اللغة العبريّة: "(هيا شراهيا) بالعبرانية: يا حيّ يا قيّوم" (كتاب العين للفراهيدي: ج 3، 401؛ أنظر أيضًا: تهذيب اللغة للأزهري: ج 2، 268). أمّا ابن المطهّر فيذكر عدّة أسماء عبرانيّة أخرى إضافة إلى هذا المصطلح: "وقول اليهود بالعبرانية: إيلوهيم، أدناي، أهيا شراهيا، ومعنى ايلوهيم الله." (البدء والتاريخ لابن المطهر: ج 1، 14؛ أنظر أيضًا: الحاوي الكبير للماوردي: ج 17، 236-237، حول مسألة تحليف وتغليظ أيمان أهل الذمّة).
غير أنّ الّذي وقف على كلّ التّصحيفات والتحريفات العربيّة للاسم الأعظم بالعبريّة، وأشار بدقّة إلى ماهيّة هذا التّعبير من ناحية اللّفظ والمعنى وأرجعه إلى أصله، فهو ابن منظور في لسان العرب. لقد فعل ابن منظور ذلك مستعينًا بأحد أحبار اليهود في عدن، حيث ذكر في اللّسان: "وبعضهم يقول آهيا شراهيا مثل عاهيا، وكل ذلك تصحيف وتحريف. وإنّما هو إهيا بکسړ الهمزة وسكون الهاء وأشر بالتحريك وسكون الراء، وبعده إهيا مثل الأول. وهو اسمٌ من أسماء الله جل ذكره. ومعنى (إهيا أشر إهيا) الأزليّ الذي لم يزل. هكذا أقرأنيه حبر من أحبار اليهود بعدن... معناه: يا حيّ يا قيّوم بالعبرانية" (مادّة "شره"، لسان العرب: ج 13، 506؛ أنظر أيضًا: كتاب الكليات لأبي البقاء الكفومي: 360؛ سهم الألحاظ فى وهم الألفاظ لابن الحنبلي: 35).