"يهوه" التوراتي في الإسلام
وهكذا نرى أنّ اللّه - إلوهيم في الأصل العبراني، وهي صيغة الجمع العبريّة للمفردة إله - هو الذي يظهر في بداية قصّة الخلق. أمّا المصطلح "يهوه" الّذي نحن بصدده فيظهر لاحقًا في الفصل الثاني، حيث نقرأ: "فَأُكْمِلَتِ السّمواتُ وَالأَرْضُ وُكُلُّ جُنْدِهَا. وَفَرَغَ اللّهُ فِي اليَوْمِ السّابِعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي صَنَعَ، فَسَبَتَ فِي اليَوْمِ السّابعِ مِنْ كُلِّ العَمَلِ الّذِي صَنَعَ. فَبَارَكَ اللّهُ اليَوْمَ السّابعَ وَقَدَّسَهُ لأَنَّهُ سَبَتَ مِنْ كُلِّ العَمَلِ الّذِى بَرَأَ اللّهُ صُنْعًا. هذِهِ مَوَالِدُ السَّمواتِ والأَرْضِ إذْ بُرِئَتْ يَوْمَ صَنَعَ يهوه اللّهُ أَرْضًا وسَمواتٍ. وَكُلُّ نَبْتِ الحَقْلِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي الأَرْضِ وَكُلُّ عُشبِ الحَقْلِ بَعْدُ لَمْ يَنْمُ. لأَنّ يهوه اللّهَ لَمْ يُمْطِرْ بَعْدُ عَلَى الأرْضِ... فَخَلَقَ يهوه اللّهُ الإنْسانَ عَفَرًا مِنَ التُّرْبَةِ وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَياةٍ فَكَانَ آدَمُ نَفْسًا حَيّةً." (سفر المبدأ، فصل 2، 1-6).
إذن، كما رأينا، يبدأ ظهور "يهوه" في الفصل الثاني: "يَوْمَ صَنَعَ يهوه اللّهُ أَرْضًا وسَمواتٍ"، ثمّ تتكرّر لاحقًا هذه الصيغة "يهوه اللّه"، أو بالإضافة "يهوه إله..."، في الكثير من الفصول والأسفار التّوراتيّة. وبكلمات أخرى، تشير هذه الصيغة إلى أنّ "يهوه" هنا هو بمثابة اسم للّه الّذي صنع الأرض والسّموات. ليس هذا فحسب، بل إنّنا نرى أنّ اللّه ذاته، وكما يرد في التّوراة أيضًا هو الّذي يذكر هذا الاسم لموسى، وذلك في معرض سرد الرّواية
التي تتطرّق إلى تكليم اللّه له، ثمّ أمره بالذهاب إلى فرعون لإخراج بني إسرائيل من مصر، لأنّه يعلم مدى الضّيم الّذي يلاقونه هناك، فيقول اللّه له: "وَالآنَ امْضِ فَأُرسِلُكَ إلَى فرْعَونَ وَأَخْرِجْ شَعْبِي بَنِي إسْرائيلَ مِنْ مِصْرَ... فَقَالَ مُوسَى للّهِ: هَا أَنَا آتِي إلَى بَنِي إسْرائيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إلهُ آبَائكُمْ أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ، فَقَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ مَا أَقُولُ لَهُمْ؟ فَقَالَ اللّهُ لِمُوسَى: (إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ)، وَقَالَ: كَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرائيلَ: (إهْيِهْ) أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. وَقَالَ بَعْدُ اللّهُ لِمُوسَى: كَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: (يهوه) إلهُ آبَائِكُمْ إلهُ إبْرَاهِيمَ إلَهُ إسْحَاقَ وَإلهُ يَعْقُوبَ، أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. هذا اسْمِي إلَى الأَبَدِ، وَهذا ذِكْرِي إلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ." (سفر الخروج، فصل 3، 10-15). ثمّ يعود اللّه مرّة أخرى في مصر ويُكلّم موسى ويذكّره باسمه: "وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى وَقَالَ لَهُ: أنَا يهوه..." (سفر الخروج، الفصل 6: 1-2).
إذن، بحسب النصّ التّوراتي، فإنّ اللّه نفسه هو الذي يذكر الاسم "يهوه" لموسى: "هذا اسْمِي إلَى الأبَد"، و"أَنَا يهوه". من الجدير بالذّكر هنا، أنّ الكلمات التي تظهر بين قوسين (إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ) قد تركتها كما تظهر وتُلفَظ في اللّغة العبريّة، وذلك لأهميّتها الكبرى في سياق بحثنا هذا، إذ أنّنا سنعود إلى التّطرُّق إليها لاحقًا.
"يهوه" إله إسرائيل: