ما معنى اسم الله "القيوم"
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى المعنيين اللذين ذكرتهما في الكلام على معنى القيوم، من أنه يدل على الوصف الذاتي، والوصف الفعلي المتعدي، فهو يذكر أنه القيوم؛ بمعنى: أنه لا يزول، ولا يحصل له نقص بعد كماله، فهو الباقي، الدائم، الموصوف بصفات الكمال، من غير أن يطرأ عليه نقص بحال من الأحوال، لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا في المستقبل، والذين قالوا: إن هذا الاسم مع الحي هو الاسم الأعظم؛ قالوا: لأن جميع الأسماء، أو الصفات ترجع إليه، يقولون: صفة الحياة مصححة لجميع الصفات، وصفة القيومية متضمنة لجميع الأفعال، هذا من جهة النظر، ومن جهة النقل -يعني: الدليل النقلي- يحتجون بالأحاديث التي سبقت، لما سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنانَ، بديعَ السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم)
وسمع -عليه الصلاة والسلام- رجلاً آخر، يقول: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) ،فقال -عليه الصلاة والسلام- للأول: (لقد سألت الله باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى).
وقال عليه -الصلاة والسلام- للآخر: (ادع تُجب وسل تُعطه)، فذكر الاسم الأعظم في الدعاء الأول الذي ذُكر فيه الحي القيوم، وفي الحديث الآخر: (ما أصاب أحداً قط همٌّ، ولا حزنٌ، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك…إلى آخره.
والحافظ ابن القيم يقول في "النونية":
وله الحياةُ كمالُها فلأجل ذا *** ما للمات عليه من سلطانِ
وكذلك القيّومُ من أوصافه *** ما للمنام لديه من غشيانِ
وكذاك أوصافُ الكمال جميعها *** ثبتت له ومدارها الوصفانِ
فمصحِّح الأوصاف والأفعال والأ *** سماء حقًّا ذانك الوصفانِ
هذه المعاني التي ذكرتها آنفاً، يقول:
ولأجل ذا جاء الحديث بأنه *** في آية الكرسي وذي عمرانِ
اسم الإله الأعظم اشتملا على اسـ *** ـم الحي والقيوم مقترنانِ
فالكل مرجعها إلى الاسمين يد *** ري ذاك ذو بصر بهذا الشانِ
رابعاً: الآثار المترتبة على هذا الاسم الكريم:
هذه الآثار يمكن أن يقسم الكلام فيها على قسمين فيقال: آثار هذا الاسم في الخلق، وكذلك الآثار التي تحصل للمؤمن حينما يعرف هذا الاسم، ويؤمن به، ويعتقده، ويدرك ما تضمنه من المعاني؛ ولكن أدمجت هذا في هذا، وربطت الكلام بعضه ببعض على سبيل الاختصار.
فالأول من هذه الآثار: ما يؤثره ذلك فينا أن ندعوه -تبارك وتعالى- بذلك دعاء مسألة، ودعاء عبادة، فالله -تبارك وتعالى- يقول: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا الأعراف:180، وفي حديث أنس، كان ﷺ يدعو: (يا حي يا قيوم)، وفي رواية: كان من دعاء النبي ﷺ: (أي حي، أي قيوم)، وهكذا في حديث أنس الآخر، قال النبي ﷺ لفاطمة -: (ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت، وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)
وهكذا في حديث ابن مسعود مرفوعاً إلى النبي ﷺ قال: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثاً غفرت ذنوبه، وإن كان فارًّا من الزحف)، والفرار من الزحف من السبع" الموبقات، وقد فهم منه بعض أهل العلم: أن من الأعمال الصالحة ما يكفر الكبائر من غير توبة، وأنه لا يشترط في ذلك التوبة، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن هذا الحديث الذي ذكره النبي ﷺ بهذا المعنى، قال: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو)، قد سبق الكلام على التوبة أن الاستغفار تارة يذكر، ويراد به التوبة، لا الاستغفار المجرد في اللسان من غير حضور قلب، ومن غير أن يكون مستوفياً لما تتطلبه التوبة من شروط، لكن الله -تبارك وتعالى- قد يتجاوز عن الإنسان بعفو، أو بشفاعة، أو بمصائب مكفرة، أو بحسنات عظيمة ماحية، ولو كان ذلك من الكبائر كما هو معلوم.