ما معنى اسم الله "القيوم"

موقع أيام نيوز

ولا شك أن الدعاء بهذا الاسم -لاسيما حينما يقرن مع الحي- أن ذلك مظنة لأن يكون ذلك الدعاء من قبيل السؤال بالاسم الأعظم؛ لهذا ذكرت من قبل أن الإنسان إذا أراد أن يدعو يقول: يا الله، يا حي يا قيوم، يا واحد يا أحد، يا حنان يا منان، الأقوال المشهورة التي قيلت في الاسم الأعظم يذكرها في دعائه، وفي حديث أنس  أن رجلاً دعا، فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنانَ، بديعَ السموات، والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ:(دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى)، فالإنسان يدعو ربه دعاء مسألة، يقول: يا قيوم، يا حي يا قيوم، أما دعاء العبادة فإنه ينتظم الأمور التي سأذكرها بعده؛لأن العبادة -كما هو معلوم- تكون بالقلب، واللسان، والجوارح.  

الثاني من هذه الآثار: أن يتبرأ الإنسان من التعلق بغير الله، وهذا من أجلّ العبادات، جنس العبادات القلبية أعظم من جنس عبادات الجوارح، إذا عرف الإنسان أن ربه هو القيوم، القائم على أمور خلقه بأرزاقهم، وأعمالهم، وآجالهم، وما يتصل بدنياهم، وفي كل شأن من شئونهم، وفي آخرتهم؛ فإنه يخرج من حوله، وطوله، وقوته، ولا يركن إلى نفسه طرفة عين، فيفتقر إلى ربه -تبارك وتعالى- افتقاراً تامًّا، كاملاً، ويُنزل به جميع حوائجه، فيستعين به، وبه يستغيث، ويعتصم بحوله، وطوله، وقوته -تبارك وتعالى-، كما أنه يقطع التعلق بالمخلوقين، أن يعطوه، أو أن يرزقوه، أو يتعلق بهم من أجل أن ينكف شرهم عنه، فيقدم لهم ألواناً من العبوديات، ويمتد نظره، ونظر قلبه إلى هؤلاء المخلوقين؛ لعلهم يرضون عنه؛ لعلهم يعطونه؛ لعله يحصل على شيء من النوال من دنياهم، أو غير ذلك، وهؤلاء مربوبون لله --، مفتقرون إليه، وفقرهم ذاتي، وغناه -تبارك وتعالى- هو الغنى الذاتي؛ ولهذا الإنسان يستغيث يقول: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، فهذا الكون يصرفه الله -تبارك وتعالى- على اتساعه الذي لا نتصوره، ولا نتخيله، قد عرضتُ في أحد الأيام بعد صلاة العشاء صورة فضائية حقيقية للكون، ولبعض المخلوقات الهائلة فيه، ونسبة الأرض إليها، ثم قربنا الأرض حتى وصلنا إلى مسجدنا؛ فرأينا الأرض كأنها حبة رمل تسبح في هذا الفضاء، كأنها حبة رمل؛ بما فيها من البحار، والقفار، والجبال، والغابات، وبما فيها من ناطحات، وجيوش جرارة، ودول ممكنة، مثل حبة الرمل تسبح في هذا الفضاء، فقربناها شيئاً، فشيئاً حتى وصلت إلى مسجدنا، وكنت أقوال حينها: إن الإنسان قد يتعاظم الشيء الصغير في نظره إذا صوب نظره، وقلبه إليه.

هذه القطعة الصغيرة، السوداء أنتم تنظرون إليها من بعيد تأخذ حجمها الطبيعي، وكلما ابتعدت، وجعلتها في الأفق كلما كان ذلك أدعى لصغرها، وتضاؤلها وكلما قربتها أمام عينك فإنها تحجب عنك الأشياء، هكذا المخلوق الضعيف، المسكين إذا امتد إليه نظر القلب عظّمه، فتعاظم هذا المخلوق؛ فحجب عنه كل شيء؛ فصار لا يرى إلا هذا المخلوق، أيًّا كان هذا المخلوق، سواء كان هذا المخلوق من ذوي السلطان، أو كان مالاً، أو غير ذلك مما تتعلق به نفوس المخلوقين، ويتعاظم أعظم مما ينبغي له، فيكون أعظم في نظره، وأحب إليه، أو يخافه أكثر مما يخاف من الله -، وقل مثل ذلك في أمور كثيرة، حتى المشكلات، أحياناً مشكلة يسيرة يستغرق الفكر فيها، يفكر الإنسان فيها، ولا ينظر إلا إليها، ويركز عليها؛ فتتضخم هذه المشكلة عنده، فيغطي الحياة بهالة من السواد؛ فتظلم الدنيا في عينيه، لكن لو أعطاها حجمها الطبيعي لما كان الأمر كذلك، الأفق واسع، وحياته فيها الأمور الحلوة، والمرة.  

فأقول: الله -تبارك وتعالى- يصرف هذه الكائنات، والخلائق، ويملك أزمّة الأمور، وبيده النفع، والضر، والخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، فينبغي أن يتخذه العبد وكيلاً، وأن يكون هو حسبنا، ومولانا، وكافينا، أما إذا نظر الإنسان إلى هذه المخلوقات فإن صاحب النظر الصحيح، الذي عرف الله معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته إنما تدله هذه المخلوقات على خالقها، لا أن تتعاظم، فتزاحم عظمة الخالق في نفسه، فهذا من عكس الأمور، وقلب الأشياء، فهو نظر فاسد، الصحيح: أن ينظر إليها باعتبار أنها تدل على هذا الخالق العظيم، وتدل على كمالاته، ونعوت جلاله، فلا ينبغي أن يحجبنا هذا الخلق عن الخالق، بل كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: "يناديه كل شيء من هذه المخلوقات بلسان الحال، فيقول: اسمع شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه، فأنا صنع الله الذي أتقن كل شيء".

فإذا رأى الجمال بالمروج، ورأى ذلك في بلاد تغمرها الخضرة، وتسرح فيها الأنهار، وما إلى ذلك؛ فإن هذا لا يجعل قلبه يتعلق به، وإنما يتوجه إلى تعظيم الخالق، فهذا شيء يسير من خلقه -، لاسيما إذا أعطينا الأشياء حجمها الحقيقي، فتذكّر ما ذكرتُه من أن هذه الأرض بنظرنا حينما نجعلها في صورتها الحقيقية من الفضاء كأنها حبة رمل، فما الذي يوجد فيها من هذه الزينة، والبهرج، وما إلى ذلك؟!، هو الشيء اليسير من خلق الله، فنتوجه إلى تعظيم الله -تبارك وتعالى-، دون أن تتعلق قلوبنا بهذه المخلوقات، هذه الأموال التي بأيدي الناس، كم تمثل بالنسبة لما عند الله في خزائنه؟  

تم نسخ الرابط